الجصاص

282

الفصول في الأصول

والدليل ( على ) ( 1 ) ذلك : أن الله تعالى ذكره قد عاتبه في أسارى بدر ، وأنزل ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) ( 2 ) وقال عز وجل : ( عفا الله عنك لم أدنت لهم ) ( 3 ) وما جرى مجرى ذلك . فلما امتنع أن يكون اجتهاد الأمة أفضل من اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جاز عليه وقوع الخطأ في الاجتهاد ، دل ذلك على جواز وقوع الخطأ على الأمة فيما نقوله من طريق الرأي . ( 4 ) قال أبو بكر : قد أجبت عن هذا بأجوبة . أحدها : أن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع فيه خطأ ، لأن معاصي الأنبياء عليهم السلام - ولو كانت صغائر - مغفورة ، فغير جائز وقوعها في شئ يظهر للناس ، ويلزمهم فيه الاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولو ظهرت معاصي الأنبياء عليهم السلام ( للناس ) ( 5 ) لكان فيه تنفير عن الطاعة ، وإيحاش عن السكون والطمأنينة إلى صحة ما ظهر من الأنبياء عليهم السلام . ومن الناس من أجاب : أنا نقول : إن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من اجتهاد الأمة ، ومعناه : أنه أفضل من اجتهاد كل واحد منهم في نفسه ، ولا نعني بذلك أن اجتهاده أفضل من اجتهاد الأمة مجتمعة ، كما نقول : إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاة الأمة ، وإنما المعنى : أنها أفضل من صلاة كل واحد منهم في نفسه ، لا أنها أفضل من صلوات جميع الأمة بأسرها مجتمعة ، وكما نقول : فلان أقوى من إخوة ( 6 ) فلان وهم عشرة ، والمعنى ( 7 ) أنه أقوى من كل واحد منهم في نفسه . ( 8 )